سيد محمد طنطاوي
186
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بئس الصّحاة وبئس الشّرب شربهم إذا جرى فيهم المزّاء والسّكر والمزاء : نوع من الأشربة . والسكر ما يسكر وهو الخمر . وفسروا الرزق الحسن . بالخل والتمر والزبيب وغير ذلك . ثم قال : وتفسير « السّكر » بالخمر ، هو المروي عن ابن مسعود ، وابن عمر ، وأبى رزين ، والحسن ، ومجاهد ، والشعبي . . والنخعي . . مع خلق آخرين . . « 1 » . وعلى هذا التفسير الذي قاله جمهور العلماء يكون السكر غير الرزق الحسن ، ويكون العطف للتغاير . ومن العلماء من فسر السكر بأنه اسم للخل ، أو للعصير غير المسكر ، أو لما لا يسكر من الأنبذة ، وقد بسط الإمام القرطبي القول في هذه المسألة فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - * ( سَكَراً ) * السكر ما يسكر ، هذا هو المشهور في اللغة . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر . والمراد بالسكر : الخمر . وبالرزق الحسن : جميع ما يؤكل ويشرب حلالا من هاتين الشجرتين . وقد قيل إن السكر : الخل بلغة الحبشة . والرزق الحسن : الطعام . وقيل السكر : العصير الحلو الحلال ، وسمى سكرا ، لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي ، فإذا بلغ الإسكار حرم . . . وقال الحنفيون . المراد بقوله « سكرا » مالا يسكر من الأنبذة . والدليل عليه أن اللَّه - سبحانه - امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم ، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز . وعضدوا هذا من السنة بما روى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « حرم اللَّه الخمر بعينها والسّكر من غيرها » « 2 » . وأصحاب هذا الرأي كأنهم يرون أن عطف الرزق الحسن على السكر من باب عطف الشيء على مرادفه ، كما في قوله - تعالى - لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً وليس من باب العطف المقتضى للمغايرة ، فالسكر عندهم ليس هو الخمر ، وإنما هو الخل أو العصير أو النبيذ غير المسكر . ويبدو لنا أن ما ذهب إليه الجمهور من أن السكر هو الخمر أولى بالقبول ، لأن هذا التفسير
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 180 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 128 .